محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1042
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : الكتابة في الطبع والشهادة في الشرع متقاربان ، الكتابة تستثبت ما في اللسان من القول ، والقول على الاستحالة فيثبته بالقلم حتّى لا يستحيل ، والشهادة تستخلص ما في الدعوى من الاحتمال ، والدعوى على الاحتمال ، فيثبت الحقّ وتنفى الشبهة حتّى لا تضيع . فقرن الشارع بين الكتابة والشهادة لتكون إحداهما لاستثبات الحقّ طبعا ، والثانية لإثبات الحقّ شرعا . فيظهر ما في القلب باللسان ، ويظهر ما في اللسان بالقلم ، ويظهر ما في القلم من الكتابة بالشهادة ؛ فهما شريكان في الخبر ، أمينان على الحقّ ، متعاونان على الصدق ، لا يضارّان صاحب الحقّ ولا يضارّهما صاحب الحقّ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ . وسرّ آخر : كاتب التقدير وشاهد التكليف شريكان في الخير الفائض على الموجودات ، والملائكة كتبة التقدير بإملاء صاحب التقدير ، والأنبياء شهود التكليف بإشهاد صاحب التكليف ؛ فكانت الملائكة كراما كاتبين غير مضارّين ، وكان الأنبياء شهداء على الناس غير مضارّين ، والحكم على الناس بالكتاب حكم القيامة : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً والحكم على الناس بالشهود حكم الشريعة : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ . وحاكم الشريعة لا يحكم بالكتاب وإن كان الكاتب أمينا ، بل يحكم بقول غيره ؛ وحاكم القيامة لا يحكم بالشهود ، وإن كانوا عدولا ، بل يحكم بعلم نفسه . فلا يحتاج المدّعي إلى إقامة البيّنة ، بل يتبيّن صدقه وكذبه من نفس دعواه . فالصادقون يعترفون بالصدق : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ والكاذبون يعترفون بالكذب : فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 283 ] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 ) النظم نظم الآية بالآية السابقة ظاهر ؛ فإنّ الإنسان ربّما لم يجد كاتبا والغالب أن يكون ذلك في